عبد الشافى محمد عبد اللطيف

97

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

تدلنا على شيء عظيم آخر ، وهو أن كلمة المسلمين أصبحت نافذة في هذه الجهات وأن قوتهم أصبحت ظاهرة ، وأصبحت القبائل في هذه النواحي تخشى قوة المسلمين وتخطب ودّهم ، فبنو ضمرة وهم من القبائل المهيمنة على طريق القوافل ، يبسط عليهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم حمايته ويضمن لهم الأمان على أموالهم وأنفسهم . والذي يمنح الأمان هو الأقوى ، الذي يستطيع أن يخيف ويؤمّن أيضا . فهذا كله يدلّنا على المدى الكبير الذي وصلت إليه قوة المسلمين في تلك الفترة . ثالثا : من الأهداف الرئيسية كذلك لتلك الغزوات والسرايا - في هذه المرحلة - تضييق الخناق على قريش ، وضرب حصار اقتصادي صارم عليها ، بقطع طريق تجارتها إلى الشام ، فالتجارة هي مصدر حياة قريش ، وأساس قوتها وازدهارها وسيادتها ، وبدون التجارة لن تقوم لها قائمة ، فحرمانها من نشاطها التجاري هو الموت بعينه ، وهو أمر لن تحتمله قريش ، ولا جدال في أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يكن يهدف أن يهلك قريشا ويدمّر حياتها ، وإنما كان يقصد أن يلقّنها درسا قاسيا ، وأن يذيقها طعم الكأس التي جرّعتها المسلمين في مكة ، ألم تحاصرهم قريش اقتصاديّا ؟ ألم تصادر أموالهم وديارهم ؟ فعليها أن تدفع الثمن الآن ، فإذا استطاع النبي صلّى اللّه عليه وسلم والمسلمون أن يحصلوا على شيء من أموال قريش ، فهذا جزء مما أجبرتهم قريش على تركه في مكة ، وما اغتصبته منهم اغتصابا ، فتصدّي المسلمين لقوافل التجارة ومحاولة الحصول عليها هو أمر مشروع وعادل ، ولا يماري في ذلك إلا جاهل مكابر ، عدو للإسلام حاقد عليه . وقد حققت هذه التحركات العسكرية هدفا آخر نفسيّا ، فقد زرعت الخوف والفزع في قلوب قريش ، ولا أدل على ذلك من الأعداد الهائلة من الرجال الذين كانوا يقومون على حراسة القوافل في ذهابها وإيابها إلى الشام ومنه ، فقد رأيت أن القافلة التي كان على رأسها أبو جهل بن هشام - والتي اعترض لها حمزة بن عبد المطلب - كان يرافقها ثلاثمائة من الحراس وهو أمر لم يكن مألوفا قبل الآن في حراسة القوافل التجارية . إذا فقد « استطاع المسلمون أن يبقوا قريشا على حذر ؛ فحراس القوافل وقادتها يتوقّعون لقاء المسلمين في كل لحظة ، يخافونهم إذا انبلج الصبح واقترب الليل ، كل غبار يتطاير من وراء الأفق يظنون فيه الظنون ، وكل همس في الليل يقدرون أن وراءه الموت ، وهذا الاستعداد الدائم للحرب يثير الأعصاب ، وهو